الشيخ محمد رشيد رضا

165

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا زعيم على احتكار علم من العلوم أو عمل من الاعمال ، بل تتسابق فيها الهمم إلى الاستعداد لكل شئ يمكن ان يصل اليه كسب البشر وينال منه العامل بقدر همته وسعيه وتأييد التوفيق له ، فأين نحن معاشر المسلمين من هذه الهداية اليوم ؟ بعد هذه القاعدة - قاعدة الاعتماد على التحقق بالعلوم والنهوض بالاعمال دون الاتكال على افراد الرجال - هدانا اللّه جل شأنه إلى قاعدتين أخريين فقال وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا الآية . قال الأستاذ الامام ما مثاله : تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي ( ص ) والمراد بهذه بيان انه لو قتل لما كان قتله الا باذن اللّه ومشيئته فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه فاذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم وأراهم بها قبح جهلهم ، كأنه يقول إن محمدا يدعوكم إلى اللّه - اى لا إلى نفسه - فلو كان هذا الموت يقع بدون اذن اللّه لكان الانقلاب صوابا ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع الا باذنه تعالى إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم باللّه وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لان اللّه لم يزل حيا باقيا عليما حكيما قال : وفي الآية معنى آخر وهو انه ما دام محيانا ومماتنا بيد اللّه فلا محل للجبن والخوف ، ولا عذر في الوهن والضعف ، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته ، وذكر ان صاحب الكشاف جعل الجملة تمثيلا فنذكر عبارته في حلها قال : « المعنى أن موت الأنفس محال أن يكون الا بمشيئة اللّه فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد ان يقدم عليه الا أن يأذن اللّه له فيه تمثيلا ، ولأن ملك الموت هو الموكل بذلك فليس له ان يقبض نفسا الا باذن اللّه . وهو على معنيين‌أحدهما ) تحريضهم على الجهاد وتشجيعهم على لقاء العدو باعلامهم أن الحذر لا ينفع ، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله ، وان خوّض المهالك ، واقتحم المعارك ، الثاني ) ذكر ما صنع اللّه برسوله عند غلبة العدو والتفافهم عليه واسلام قومه له نهزة